ابن أبي الحديد

206

شرح نهج البلاغة

في كلمته التي يقول فيها : حي النخيلة إذ نأت * منا على عدوائها لا بالفراق تنيلنا * شيئا ولا بلقائها حلت بمكة حلة * في مشيها ووطائها في رجال كثير انتزعوا منهم الظلامات ، ولم يكن يظلم بمكة إلا رجال أقوياء ، ولهم العدد والعارضة ، منهم من ذكرنا قصته . قال أبو عثمان : ولها شم أخرى لا يعد أحد مثلها ، ولا يأتي بما يتعلق بها ، وذلك أن رؤساء قبائل قريش خرجوا إلى حرب بنى عامر متساندين ، فكان حرب بن أمية على بني عبد شمس ، وكان الزبير بن عبد المطلب على بني هاشم ، وكان عبد الله بن جدعان على بنى تيم ، وكان هشام بن المغيرة على بنى مخزوم ، وكان على كل قبيلة رئيس منها ، فهم متكافئون في التساند ، ولم يحقق واحد منهم الرئاسة على الجميع ، ثم آب هاشم بما لا تبلغه يد متناول ، ولا يطمع فيه طامع ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله قال : شهدت الفجار وأنا غلام ، فكنت أنبل فيه على عمومتي ، فنفى مقامه عليه السلام أن تكون قريش هي التي فجرت ، فسميت تلك الحرب حرب الفجار ، وثبت أن الفجور إنما كان ممن حاربهم ، وصاروا بيمنه وبركته ولما يريد الله تعالى من إعزاز أمره وإعظامه الغالبين العالين ، ولم يكن الله ليشهده فجرة ولا غدرة ، فصار مشهده نصرا ، وموضعه فيهم حجة ودليلا . قال أبو عثمان : وشرف هاشم متصل ، من حيث عددت كان الشرف معك كابرا عن كابر ، وليس بنو عبد شمس كذلك ، فإن الحكم بن أبي العاص كان عاديا في الاعلام ، ولم يكن له سناء في الجاهلية .